المقريزي

171

رسائل المقريزي

فلما ولى الملك الظاهر ركن الدين ببيرس البندقدارى ، الصالحي ، النجمى ، وكان من أعظم ملوك الإسلام ، وممن يتعين على كل ملك معرفة سيرته ، ضرب دراهم ظاهرية وجعلها كل مائة درهم من سبعين درهما فضة خالصة وثلاثين نحاسا رنكة « 1 » على الدرهم ، وهو صورة سبع ، فلم تزل الدراهم الظاهرية والكاملية بديار مصر والشام إلى أن فسدت في سنة 781 ، بدخول الدراهم الحموية « 2 » فكثر تعنت الناس منها ، وكان ذلك في إمارة الظاهر برقوق ، فلما وصل الأمر إليه وأقام الأمير محمود بن علي أستادارا « 3 » أكثر من ضرب الفلوس ، وأبطل ضرب الدراهم فتناقصت ، حتى صارت عرضا ينادى عليه في الأسواق بحراج حراج « 4 » وغلبت الفلوس إلى أن قدم الملك المؤيد شيخ عز نصرة من دمشق في رمضان سنة 817 ، بعد قتل الأمير نوروز الحافظي نائب دمشق ، فوصل مع العسكر وأتباعهم شيء كثير من الدراهم البندقية « 5 » والدراهم النوروزية « 6 » فتعامل الناس بها وحسن موقعها لبعد العهد بالدراهم . فلما ضرب الملك المؤيد شيخ عز نصرة الدراهم المؤيدية « 7 » في شوال منها نودي في القاهرة بالمعاملة بها في يوم السبت 24 صفر سنة 818 فتعامل الناس بها ، وقد قال مسدّد : حدثنا خالد بن عبد الله : حدثنا مالك عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد ابن المسيب ، قال : قطع الدينار والدرهم من الفساد في الآخرة يعنى كسرهما ، وأنا أقول : إن في ضرب الملك المؤيد الدراهم المؤيدية ست فضائل : الأولى : موافقة سنّة رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم في فريضة الزكاة ؛ لأنه قال عليه الصلاة والسلام ، إنما فرضتها في الفضة الخالصة لا المغشوشة . الثانية : اتباع سبيل المؤمنين ، وذلك أنه اقتدى في عملها خالصة بالخلفاء

--> ( 1 ) الرّنك بالفتح : الشارة أو الشعار من النقوش يتخذه الأشراف ليعرفوا به ( ج ) أرنوك . ( 2 ) نسبة إلى حماة بسورية . ( 3 ) الأستادار : كلمة فارسية من مقطعين هما « أستاد » أي صاحب « ودار » أي منزل ، فتكون معناها رئيس المنزل ، وهو لقب يلقب به من تلقى إليه أعباء بيت أحد الملوك والكبراء . ( 4 ) قال أبو عبيد : كلمة يقولها من يبيع أي شيء عندما لا يزاد على ثمنها . ( 5 ) الدراهم البندقية : أي التي كانت تضرب في البندقية . ( 6 ) الدراهم النوروزية : منسوبة إلى الأمير نوروز الحافظي . ( 7 ) الدراهم المؤيدية : نسبة إلى الملك المؤيد « شيخ عز نصرة » .